بناء الإنسان في لبنان
انتهت المدنيات التقليدية في العالم، وكما نعرفها، مع بداية عصر الهيمنة الغربية منذ القرن الثامن عشر الميلادي. وأوقع هذا الأمر العالم الثالث عامةً، والعالم العربي خاصةً، في مأزق تاريخي، سببه، إلى حد كبير، غياب الإدراك العربي لأبعاد هذا المأزق المجتمعية والتاريخية. وتجسد غياب الإدراك هذا في صراعٍ بين "المعاصرة" و"الأصالة"؛ صراعٌ انطلقت دعوة الأصالة فيه من الدين، وانطلقت دعوة الحداثة فيه من العلم. ولا يزال الصراع قائمًا بين النظرتين، ما أدخل العالم العربي في حرب فكرية لا منتصر فيها، ولا مهزوم، بل حالة استنزافٍ دائمٍ. غير أن مناقشة هذا الوضع يخرج بنا عن موضوعنا، وما ذكرناه إلا لتقرير واقعٍ نأمل، عبر هذا العرض، في الانطلاق منه، لنهضة لبنان ولنهضة شعبه.
الثقافة والمجتمع
يعرف إدوارد تايلور، في كتابه المنشور عام 1871 م، الثقافة بأنها: "مجموع المعرفة والمعتقدات والفن والحقوق والأخلاقيات والعادات، وكل قدراتٍ وأعرافٍ اكتسبها الفرد في المجتمع". فالثقافة هي الشرط الأول لنشوء الحضارة، وهي حاضنتها، وأساسها، وقاعدتها.
أدت الهيمنة الغربية، منذ القرن الثامن عشر، إلى اعتبار الثقافة الغربية هي المهيمنة، فأصبحت، بحقٍ أو بغير حق، مقياس الثقافات الأخرى. وعليه، فثمة سؤالٌ يطرح نفسه: هل الثقافة هي القاعدة الضابطة للمجتمع ضمن بيئته وتاريخه، أو أنها ناتج استهلاك الإنتاج الثقافي، المحلي منه و"المستورد"؟ يجمع العرب، بشكلٍ عام، بين النظرتين، مركزين، في الأعم الأغلب، على الشقين التقني والفني من الثقافة، غربية أكانت أم شرقية.
أدت هذه النظرة إلى الخلط بين الثقافة والوعي، من جهة، وإلى الخلط بين الثقافة والواقع، من جهة أخرى. ما منع العرب من الاستخدام الأمثل لإمكانياتهم البشرية والمادية والثقافية، ومن ثم، فقد انحصر تطور العالم العربي في النسخ، وأصبح مستهلكًا ثقافيًا وتقنيًا، لا منتجًا. وحيث أن النظامين الثقافي والتقني لا يمكن فصم عراهما عن النظامين السياسي والمجتمعي، فقد أصبحت المجتمعات العربية، واللبناني منها، أسيرة لواقع ثقافاتها المستهلكة، من جهة، ودمرت الثقافة العلمية، الغربية من حيث المبدأ، الثقافات الشعبية المحلية من جهة أخرى.
الثقافة الغربية والثقافة اللبنانية المحلية
نسأل: هل الصراع بين الثقافتين حتمي؟ وهل ستنتصر الثقافة الغربية بالضرورة؟ والجواب على كلا السؤالين هو ذاته: نعم، إن نحن سمحنا بذلك، وكلا، إن نحن دعمنا الثقافة اللبنانية، فأخذنا من الثقافات الأخرى ما ينفعنا، ورسخنا ثقافاتنا اللبنانية (كما فعلت الهند واليابان والصين وكوريا، على سبيل المثال)، لا عبر المبالغة في حمايتها (وهو أسلوبٌ أثبت عدم جدواه على المدى الطويل)، بل بترسيخها وبتطويرها وبدعمها وبتقويتها، وذلك عبر اعتماد مجموعة من القيم المحورية تكون أساسًا، يبنى عليه، للثقافة اللبنانية. ولنا في تجارب الأمم السالفة الذكر أمثلة تحتذى. فما أهمية الثقافة؟
أهمية الثقافة
إن نحن قارنا اقتصادي غانا وكوريا، في أوائل الستينات من القرن الماضي، لوجدناهما متقاربين جدًا. وإن نحن قارنا الاقتصادين في التسعينات من القرن الماضي، لوجدنا أن كوريا قد نمت لتصبح عملاقًا اقتصاديًا عالميًا، فيما بقيت غانا دولةً من دول العالم الثالث، بمعدل دخلٍ فردي يساوي خمس الدخل الفردي الكوري. ما الفرق الأساس بين الدولتين، والذي أدى إلى نهوض الأولى وتأخر الثانية؟ الثقافة! وعلامَ تبنى الثقافة؟ على القيم المحورية!
القيم المحورية
القيم المحورية المجتمعية هي القيم التي يحدد المجتمع وأفراده، على ضوئها، هوياتهم، ويتخذون، انطلاقا منها، قراراتهم ونظرتهم إلى الحياة بشكلٍ عام. وهي تشكل الخلفية الأساسية لمعتقدات الأفراد في المجتمع، ولأخلاقياتهم، ولأنماط تعاملهم مع بعضهم البعض. وما القوانين والتشريعات إلا أطر للقيم المحورية المجتمعية. وتجدر بالذكر هنا، الإشارة إلى أن القيم المحورية لا تتعارض مع التشريعات أو الأديان أو المعتقدات من أي ناحية أتت.
غير أن القيم المحورية تتعدى المعتقدات والقوانين والتشريعات في فعليها المجتمعي والحضاري. فهي أساس نظرة الفرد، والمجتمع، إلى ذاته وإلى الآخر، وسواءً أكان مجتمعًا أم فردًا. وهي أساس تطور الفرد والمجتمع، والقاعدة التي تبنى الثقافات، ومن ثم الحضارات، عليها؛ فكل تطور مجتمعي، أو تقني، أو علمي، أو ما شئنا من المجالات، ناقصٌ، وغير منتج ثقافيًا (ومن ثم حضاريًا)، ما لم يستند إلى منظومة قيمٍ محورية مجتمعية. وكما أن الثقافة هي أساس الحضارة، فكذلك القيم المحورية المجتمعية هي أساس الثقافة وقاعدتها التي تبنى الثقافة، ومن ثم الحضارة، عليها. فكيف نبني هذه القيم في لبنان؟
بناء القيم المحورية اللبنانية
نبدأ بتحديد القيم المحورية اللبنانية، ووضع نظامٍ شاملٍ لتبنيها، وللحفاظ عليها، ولتعميمها، ولتطويرها، ما يميز الفرد والمجتمع اللبنانيان في المجتمع الدولي (خارج الأحلام الوردية من نوع "لبنان يا قطعة سما")، ويمنحهما فرادتهما الثقافية والحضارية، تمهيدًا لوضع مسار الثقافة اللبنانية على أسس متينة وثابتة ومستديمة. وتجدر الإشارة أن هذا المشروع يستغرق أجيالًا من العمل الدؤوب، وأن العاملين عليه والمستفيدين منه، بما فيهم كاتب هذه العجالة وأنتم أيها القراء الأعزاء، يزرعون للمستقبل: هذا عمل مجتمعي تراكمي طويل الأجل، وقديمًا قال الأجداد: "زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون".
هل هذا الهدف قابل للتحقيق؟
كان رجل الأعمال البيروفي، اوكتافيو مافيلا، وكيلًا لشركة تويوتا في البيرو لثلاثين عامًا، زار خلالها اليابان مراتٍ عديدة. ونظرًا لاعتقاده أن تميز اليابانيين أتى من تعليمهم لقيمٍ محددةٍ لأطفالهم منذ الصغر، فقد أسس، عام 1990، ما دعي بمؤسسة التطوير المجتمعي، في ليما، لتطوير قيم النظافة والنظام واحترام الوقت والإنجاز والنزاهة واحترام الآخر واحترام القانون، إلخ. تتمحور القيم المحورية اليابانية على التناغم. وهي نتاج دمجٍ تاريخيٍ بين قيم فلسفة الزن، وبين قيم المحاربين الساموراي المدعوة بوشيدو. وقد بنيت على امتداد أكثر من ألف عام! وتشمل القيم المحورية اليابانية التفكير في الآخر، وتقديم أفضل ما يمكن للمرء تقديمه ضمن قدرته، وعدم التخلي عن الأمر حتى إتمامه، واحترام الكبير، وعلى معرفة حد المرء والوقوف عنده، وعلى العمل الجماعي. فلا تجد في المجتمع الياباني من يناقش رئيسه في أمر ما، فهم يختارون رؤساءهم بعناية ويتبعونهم بإخلاص. النقاش، في اليابان، إضاعة للجهد وللوقت، والعمل الجماعي مفتاح النجاح. وفيما نحترم تجربته، إلا أننا نرى أنها تفتقر إلى العنصر الأساس في نجاح أي مشروع: الإجماع.
ينطلق تصورنا من إجماع اللبنانيين، من حكومةٍ، ورجال أعمالٍ، ومدارسَ، وأهلٍ، وطلبةٍ، وموظفين، إلخ، على تنفيذها، وعلى إسهامهم فيها: كلٌ في مجاله. هذه خطة شاملة ومستمرة لسنوات طويلة، بحيث تصبح هذه الممارسات جزءًا لا يتجزأ من هوية اللبنانيين، وعنصرًا من عناصر فرادتهم. بنينا الحجر في لبنان، وأعدنا بناءه بعد كل زلزال وزلزلة، وطورنا البشر. ونكمل تطوير البشر ببناء القيم المحورية اللبنانية: هكذا تبنى "قطعة السما"!